ملا محمد مهدي النراقي
61
جامع السعادات
أو يكون وجود المال أحب إليه من عدمه ، ولكن لم يبلغ حبه له حدا يبعثه على طلبه ، بل إن أتاه بلا طلب أخذه وفرح به ، وإن افتقر إلى سعي في طلبه لم يشتغل به ، ويسمى هذا فقيرا ( قانعا ) . أو يكون بحيث لا يحبه ولا يرغب فيه ، ويكره وجوده ويتأذى به ، ولو أتاه هرب منه ، مبغضا له ومحترزا عن شره ، ويسمى هذا فقيرا ( زاهدا ) . فإعراضه عنه وعدم سعيه في محافظته وضبطه لو وجده ، إن كان لخوف العقاب فهو ( فقر الخائفين ) . وإن كان لشوق الثواب فهو ( فقر الراجين ) . وإن كان لعدم التفاته اللازم لإقباله على الله تعالى بشراشره من دون غرض دنيوي أو أخروي فهو ( فقر العارفين ) . أو يكون بحيث لا يحبه حبا يفرح بحصوله ولا يكرهه كراهة يتأذى بها ويزهد فيه ، بل يستوي عنده وجوده وعدمه ، فلا يفرح بحصوله ولا يتأذى بفقده ، بل كان راضيا بالحالتين على السواء ، وغنيا عن دخوله وبقائه وخروجه من يده ، من غير خوف من الاحتياج إذا فقد ، كالحريص والقانع ولا حذار من شره وأضراره إذا وجد كالزاهد . فمثله لو كانت أموال الدنيا بأسرها في يده لم تضره ، إذ هو يرى الأموال في خزانة الله لا في يد نفسه ، فلا تفريق بين أن تكون في يده أو في يد غيره ، فيكون بحيث يستوي عنده المال والهواء المخلوق في الجو ، فكما أن كثرة الهواء في جواره لا يؤذيه ولا يكون قلبه مشغولا بالفرار عنه ولا يبغضه بل يستنشق منه بقدر الضرورة ولا يبخل به على أحد ، فكذلك كثرة المال لا يؤذيه ولا يشغل قلبه ، ويرى نفسه وغيره فيه على السواء في المالكية . ومثله ينبغي أن يسمى ( مستغنيا راضيا ) ، لاستغنائه عنه وجودا وعدما ، ورضائه بالحالتين من دون تفاوت ، ومرتبته فوق الزاهد ، إذ غاية درجة الزهد كمال الأبرار ، وصاحب هذه المرتبة من المقربين فالزهد في حقه نقصان ، إذ حسنات الأبرار سيئات المقربين . والسر فيه : أن الزاهد كاره للدنيا ، فهو مشغول بالدنيا ، كما إن الراغب فيها مشغول بها ، والشغل بما سوى الله حجاب عن الله ، سواء كان بالحب أو بالبغض . فكل ما سوى الله ، كالرقيب الحاضر في مجلس جمع العاشق والمعشوق . فكما إن التفات قلب العاشق إلى الرقيب وبغضه وكراهته حضوره نقص في العشق